د.عبدالرحيم محمود جاموس
ما إن أُعلن عن التفاهم الأمريكي - الإيراني الأخير، حتى سارع الجميع إلى إعلان النصر.
طهران تحدثت عن فشل العدوان الأمريكي - الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، وعن صمود الدولة الإيرانية وإفشال مشروع إخضاعها بالقوة.
وواشنطن تحدثت عن نجاح الضغوط العسكرية والسياسية في دفع إيران نحو التفاوض والقبول بشروط جديدة تتعلق ببرنامجها النووي وسلوكها الإقليمي.
أما إسرائيل، التي كانت رأس الحربة في التصعيد، فقد بدت أقل احتفالاً من حليفتها الأمريكية، وأكثر ميلاً إلى الترقب والقلق.
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه على كل مراقب:
إذا كان الجميع قد انتصر، فمن الذي خسر؟
والجواب أن الحقيقة غالباً لا تقيم في خطابات المنتصرين، بل في الوقائع التي تفرضها موازين القوى.
عندما تعجز الحرب عن تحقيق السياسة:
يكشف الاتفاق، بصرف النظر عن تفاصيله النهائية، حقيقة سياسية مهمة مفادها أن القوة العسكرية، رغم أهميتها، لم تعد قادرة وحدها على حسم الصراعات الكبرى.
فالولايات المتحدة، بكل ما تمتلكه من تفوق عسكري واقتصادي، لم تتمكن من فرض استسلام إيراني كامل أو إحداث تحول جذري في بنية النظام الإيراني.
وفي المقابل، لم تستطع إيران تحويل صمودها العسكري والسياسي إلى انتصار استراتيجي يفرض شروطها كاملة على خصومها.
ولهذا انتهى الطرفان إلى النقطة التي تنتهي عندها معظم الصراعات الطويلة: طاولة التفاوض.
فالحرب التي بدأت بهدف تغيير الوقائع انتهت بالاعتراف المتبادل باستحالة فرض الإرادة الكاملة لأي طرف على الطرف الآخر.
إسرائيل: الحاضر الغائب في الاتفاق:
وإذا كان ثمة طرف يستحق التوقف عند موقفه، فهو إسرائيل. فمنذ سنوات طويلة، كانت إسرائيل تدفع باتجاه جعل الملف الإيراني أولوية مطلقة في السياسة الأمريكية، وكانت ترى أن أي تسوية مع إيران لا تنتهي إلى تفكيك قدراتها النووية وتقليص نفوذها الإقليمي تمثل فشلاً إستراتيجياً.
لكن ما تشير إليه المعطيات الأولية هو أن إيران لم تُستبعد من المعادلة الإقليمية، ولم تُعامل كدولة مهزومة، بل كطرف جرى التفاوض معه والتوصل إلى تفاهمات متبادلة. وهذا بحد ذاته تطور لا يمكن أن تنظر إليه إسرائيل بارتياح كامل.
الخطأ الأكبر هو اختزال الاتفاق في الملف النووي وحده. فالتاريخ يعلمنا أن الاتفاقات الكبرى لا تتعلق دائماً بالعناوين المعلنة، بل بما يدور خلفها من ترتيبات أوسع. فما يجري على الأرجح ليس مجرد تفاهم حول نسب التخصيب أو آليات الرقابة النووية، بل محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين واشنطن وطهران بما يمنع الانفجار الكبير ويحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإقليمي.
لكن القضية الأكثر إثارة للقلق تبقى القضية الفلسطينية. ففي الوقت الذي كانت فيه العواصم الكبرى تبحث ترتيبات الأمن والاستقرار وممرات الطاقة والتجارة الدولية، كانت غزة ما تزال تدفع أثمان حرب مدمرة، وكان الشعب الفلسطيني يواجه الاحتلال والاستيطان والحصار والتجويع.
لقد اعتادت المنطقة أن تشهد صفقات كبرى تعيد توزيع النفوذ بين القوى المتصارعة، بينما تبقى فلسطين خارج الحسابات الفعلية.
ومن زاوية عربية، فإن السؤال لا يقل أهمية. فالتاريخ الحديث للمنطقة يكشف أن القوى الإقليمية والدولية تتفاوض عندما تقتضي مصالحها ذلك، بصرف النظر عن حجم التناقضات والخلافات بينها.
أما العرب، فما زالوا في كثير من الأحيان يتعاملون مع التحولات الكبرى باعتبارهم موضوعاً لها لا طرفاً فاعلاً فيها. ولهذا فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاتفاق ذاته، بل في غياب مشروع عربي قادر على التأثير في نتائجه ومساراته.