نجاح لافي سالم التومي
في عالمٍ تتنازع فيه المصالح، وتتصاعد فيه الأزمات، وتتشابك فيه الحسابات الجيوسياسية، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجًا دبلوماسيًا متفردًا، استطاع أن يؤسس لمدرسة سياسية تجمع بين الواقعية في قراءة المشهد الدولي، والإيجابية في صناعة الحلول، والحكمة في إدارة التوازنات. إنها دبلوماسية لا تكتفي بردود الأفعال، بل تبادر بالفعل، وتؤمن بأن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل مشروعًا يُبنى، ومسؤولية تتطلب الإرادة والشجاعة والرؤية.
وتأتي أهمية هذا النهج في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، شهدت خلال السنوات الماضية أزمات متلاحقة، من استمرار الحرب في اليمن، إلى تصاعد حدة التوترات الإقليمية، وتنامي نفوذ الجماعات والميليشيات المسلحة في عدد من دول المنطقة، ولا سيما في سوريا والعراق، وما ترتب على ذلك من تحديات أمنية وإنسانية أثَّرت في استقرار الشرق الأوسط بأكمله. وفي خضم هذه المتغيِّرات، برزت الحاجة إلى دبلوماسية قادرة على احتواء الأزمات، وتقريب وجهات النظر، وتغليب لغة الحوار على منطق الصراع.
لقد رسخت المملكة خلال السنوات الأخيرة حضورًا دوليًا لافتًا، مستندةً إلى سياسة خارجية ثابتة تنطلق من احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وتعزيز الحوار بوصفه السبيل الأمثل لتسوية النزاعات، والالتزام بمبادئ القانون الدولي، ودعم كل الجهود الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. وفي الوقت الذي اختارت فيه بعض القوى الانحياز إلى الاستقطاب، اختارت المملكة أن تكون مساحةً للقاء، وجسرًا للتفاهم، ومنصةً لتقريب وجهات النظر.
ولعل أبرز ما يميز الدبلوماسية السعودية هو قدرتها على المواءمة بين الثوابت الوطنية والمتغيِّرات الدولية. فهي دبلوماسية تتحرك وفق رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بامتلاك أدوات القوة وحدها، بل بالقدرة على بناء الثقة، وكسب الاحترام، وتحويل الحوار إلى نتائج ملموسة تخدم الأمن والاستقرار.
ومن هذا المنطلق، أصبحت الرياض محطةً رئيسةً للمبادرات السياسية والحوارات الدولية،
حيث استضافت قممًا ومؤتمرات جمعت أطرافًا مختلفة، وأسهمت في فتح قنوات للتواصل بين دول كانت تبدو متباعدة، مؤكدة أن الدبلوماسية الفاعلة هي التي تخلق فرص الالتقاء حتى في أكثر اللحظات تعقيدًا. كما لعبت المملكة أدوارًا بارزة في دعم جهود الوساطة وتخفيف حدة التوترات الإقليمية، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحلول المستدامة لا تتحقق إلا بالحوار والتفاهم واحترام المصالح المشتركة.
وفي الوقت الذي شهدت فيه المنطقة تصاعدًا في نشاط الجماعات المسلحة والميليشيات خارج إطار مؤسسات الدولة، وما صاحب ذلك من تهديد لأمن الدول واستقرارها، أكدت المملكة في مختلف مواقفها أهمية دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وتعزيز سيادتها، ومكافحة الإرهاب والتطرف بجميع أشكاله، وتجفيف منابعه الفكرية والمالية، باعتبار أن الأمن والاستقرار يمثِّلان الأساس الذي تُبنى عليه التنمية والازدهار.
ولم تقتصر هذه المقاربة على الإطار السياسي، بل امتدت إلى الجوانب الإنسانية والتنموية، إذ واصلت المملكة أداء دورها في دعم الشعوب المتضررة من الأزمات والكوارث، وتقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية، والإسهام في جهود التعافي وإعادة الأمل، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الأمن الإنساني جزء لا يتجزأ من الأمن الدولي، وأن التنمية والاستقرار وجهان لعملة واحدة.
إن الواقعية الإيجابية التي تنتهجها المملكة لا تعني الحياد السلبي، بل تعني الانخراط المسؤول في القضايا الدولية، والبحث عن الحلول الممكنة بدلًا من تأجيج الخلافات، والعمل على تقريب المواقف بدلًا من تعميق الانقسامات. وهي فلسفة سياسية أثبتت نجاحها في التعامل مع ملفات إقليمية ودولية معقدة، وجعلت من المملكة شريكًا موثوقًا يحظى باحترام المجتمع الدولي، لما تتمتع به من مصداقية واتزان وقدرة على بناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف.