أنور الدوامي العنزي
هل نحن مُصرّون أن نجعل من المضائق البحرية عملة نادرة، وأن نجعل العالم بأكمله ينتظر فتحها أو إغلاقها؟ لماذا يترك العالم الحوثي أو الإيراني أو غيرهما يستمتع بهذه الورقة، ويبقون يعيشون تحت رحمة ممر بحري ضيق؟
فلتذهب المضائق إلى الجحيم!
الفكرة ليست أن نتوقف عن استخدام البحر، فهذا غير ممكن، فالنقل البحري يحمل أكثر من 80 % من التجارة العالمية. لكن الفكرة أن نبحث عن بدائل تجعل إغلاق مضيق أو تعطل ممرًا بحريًا لا يعني توقف التجارة أو وصول البضائع إلى الناس.
ماذا لو وصلت السفن إلى آخر نقطة بحرية آمنة وصديقة، أو إلى ميناء مملوك للدولة أو لشركائها، ثم انتقلت البضائع من هناك إلى وجهتها برًّا؟
قطارات شحن، ومقطورات مصممة للنقل المتتابع، وشاحنات في المرحلة الأولى، وجسور ومسارات برية يتم تنفيذها بأسرع ما يمكن، وربما النقل الجوي لبعض السلع والبضائع العاجلة إلى حين اكتمال مشاريع النقل الكبرى.
بل لماذا لا تكون هناك منظومة متكاملة تسمح للبضاعة بأن تنتقل من بحر إلى بر، ثم من بر إلى بحر مرة أخرى، حتى تصل إلى ميناء أو مركز توزيع آمن؟
قد يبدو الأمر مكلفًا في البداية، لكنه في الحقيقة استثمار في أمن سلاسل الإمداد. وقد أثبتت الأزمات أن الاعتماد على طريق واحد له ثمن؛ فعندما اضطرت السفن إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، زادت المسافات والمدة والتكاليف، وتأثرت الطاقة الاستيعابية الفعلية لأسطول الشحن العالمي.
العالم بحاجة إلى التفكير بطريقة مختلفة: لا نبحث فقط عن كيفية حماية المضائق، بل عن كيفية تقليل أهميتها في التجارة العالمية.
فكلما تعددت الطرق، قلّت قدرة أي طرف على استخدام ممر واحد كورقة ضغط على العالم.
وقد يأتي يوم تصبح فيه المضائق مجرد خيار من عدة خيارات، وليس الخيار الوحيد.
حينها ستعود المضائق إلى حجمها الطبيعي في المعادلة الاقتصادية، ولن تكون تلك «العملة النادرة» التي يتنافس الجميع على حمايتها أو يخشى الجميع فقدانها.
وحينها، ربما لن نسمع في المضائق إلا صوت البحر.. وصَرير صراصير الليل، وستصبح الأراضي القاحلة المطلة عليها هي التي تبحث عن قيمة جديدة.
المستقبل ليس في طريق واحد، بل في شبكة طرق لا يستطيع أحد إيقافها كلها.