محمد بن عبدالله العتيق
لا يزال عشاق كرة القدم حول العالم يعيشون حالةً من الشغف والترقب انتظارًا لانطلاق المونديال، الحدث الرياضي الأكبر الذي يجمع الشعوب تحت راية المنافسة الشريفة والمتعة الكروية الخالصة. فهذه البطولة ليست مجرد مباريات تُلعب على المستطيل الأخضر، بل مناسبة عالمية تتوحد فيها المشاعر، وتتجه خلالها أنظار الملايين نحو نجوم اللعبة ومنتخباتها، بحثًا عن المتعة والإبداع وصناعة التاريخ.
وعلى مدى عقود طويلة، حرص الاتحاد الدولي لكرة القدم على ترسيخ مبدأ مهم، وهو أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن التجاذبات السياسية والخلافات الدولية، لأن كرة القدم وُجدت لتقرب بين الشعوب لا لتزيد المسافات بينها، ولتجمع الناس حول الشغف ذاته مهما اختلفت لغاتهم وأعراقهم وثقافاتهم.
لكن ما يثير القلق أن المتابع يلمس في بعض الأحيان مظاهر لتداخل السياسة مع الرياضة في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الأولوية للعبة نفسها. فالجماهير لا تنتظر المونديال لتتابع الإجراءات المعقدة أو الخلافات الجانبية، بل تنتظره لتشاهد المنتخبات تتنافس، والحكام يديرون المباريات، والإعلاميين ينقلون الحدث، والجماهير تملأ المدرجات بالألوان والأهازيج.
ويجب أن تبقى الرياضة بمنأى عن أي ممارسات قد تعكر صفو البطولة أو تحد من مشاركة منسوبيها أو جماهيرها وفق الأنظمة واللوائح المعتمدة.
فالمونديال ليس مناسبة تخص دولة بعينها، بل هو ملك لعشاق كرة القدم في كل مكان. ولذلك فإن نجاح البطولة لا يقاس فقط بجمال الملاعب أو قوة التنظيم، بل يقاس أيضًا بقدرتها على تجسيد القيم التي قامت عليها الرياضة، وفي مقدمتها العدالة والمساواة والانفتاح وروح المنافسة الشريفة.
الجماهير التي تنتظر هذه البطولة أربع سنوات لا تبحث إلا عن المتعة الكروية الخالصة، وعن الأهداف الجميلة والمهارات المبهرة واللحظات التاريخية التي تبقى عالقة في الذاكرة. فهي تريد أن ترى كرة القدم في أجمل صورها، بعيدًا عن أي أمور أخرى قد تحجب بريق الحدث أو تنتقص من رسالته العالمية.
لقد أصبحت كرة القدم اللغة المشتركة بين مليارات البشر، والدليل على ذلك حجم المتابعة الجماهيرية الهائل، والاستثمارات الضخمة، وحقوق النقل التلفزيوني التي تصل إلى أرقام فلكية، وكل ذلك يؤكد أن هذه اللعبة تجاوزت حدود الملاعب لتصبح ظاهرة إنسانية تجمع العالم بأسره.
ولهذا كله، فإن الحفاظ على استقلالية الرياضة ضرورة لا غنى عنها. فكلما ابتعدت السياسة عن الملاعب، ازدادت كرة القدم جمالًا وتأثيرًا، وبقيت كما أرادها عشاقها: مساحة للمتعة والمحبة والتنافس الشريف.
اتركوا المونديال لكرة القدم.. ودعوا الجماهير تستمتع بالحدث الذي انتظرته طويلًا، فالعالم لا يريد في هذه الأيام سوى أن يشاهد الكرة وهي تتحدث بلغتها الجميلة التي يفهمها الجميع.