محمد العبدالوهاب
تُجمع الشعوب المتقدمة حضارياً، والمتمسكة بقيمها ومبادئها الإنسانية الأصيلة، على أن «أدبيات النقد» هي أداة تقويم وبناء، تخضع لمبدأ الثواب والعقاب الهادف للإصلاح لا للتدمير.
فالنقد الحقيقي والمسؤول يترفع تماماً عن المساس بأرزاق العباد التي كفلها الله لهم، أو التشكيك في ثقة ولاة الأمر وصناع القرار حين يمنحون مكافأة أو يقررون مزايا مالية يرى أهل الاختصاص أحقية الموظف أو الرياضي بها.
لكن الساحة الرياضية اليوم تشهد انحداراً مقلقاً في الطرح!
ويؤسفنا بمرارة ما آلت إليه عقليات بعض من كُنّا نظنهم -واهمين- كُتّاباً ونُقاداً يملكون الوعي والأمانة المهنية. إن ما نشاهده ونقرأه اليوم (خصوصاً) على منصات التواصل الاجتماعي التي تمنح حقوقاً متساوية للجميع في التعبير دون رقابة أو تدقيق، من هجوم شرس على اللاعبين الذين يمرون بهزات فنية أو تراجع مؤقت في مستوياتهم، يتجاوز حدود المنطق الفني، إذ يتباكى هؤلاء بجرأة غريبة على رواتب اللاعبين وعقودهم، مطالبين بتخفيضها أو إلغائها، وكأنهم أوصياء على المال العام، أو كأنهم يدفعون تلك المبالغ من جيوبهم الخاصة!
إن هذا السلوك يتجاوز النقد الفني ليقع في مستنقع «الحسد الأعمى» ومحاولة قطع الأرزاق! ويتناسى هؤلاء المحبطون، أو يتعمدون التناسي، أن القطاع الرياضي اليوم يعيش نهضة استثنائية بدعم سخي وتوجيهات سديدة من قيادتنا الرشيدة -حفظها الله- هذا الدعم يمثل ركيزة أساسية في رؤية المملكة الطموحة التي جعلت من الرياضة مشروعاً وطنياً واقتصادياً ضخماً يستهدف الارتقاء بالكرة السعودية لتطرق أبواب العالمية وتنافس كبرى المحافل الدولية، وبالتالي فإن الهجوم على عقود اللاعبين هو تشكيك مبطن في كفاءة المنظومة التي تدير هذا المشروع الوطني الكبير.
وهنا نضع هؤلاء الحاسدين أمام مرآة الحقيقة ونستعلم: لو وضعتم أنفسكم في مكان هؤلاء اللاعبين الذين تسلطون عليهم سياط نقدكم المسموم، وجاء من يطالب بقطع أرزاقكم وإلغاء عقودكم عند أي إخفاق مهني لكم، هل كنتم ستقبلون بهذا الإجحاف؟ أم ستملؤون الدنيا صراخاً وتتباكون من «حسد الحاسدين»؟
إن المفهوم العلمي والمهني للنقد الرياضي واضح ولا يقبل التأويل: هو تساؤل مشروع ومحاسبة علنية عما يقدمه اللاعب من عطاء فني وتكتيكي داخل المستطيل الأخضر، ورصد للأخطاء بغرض معالجتها وتطوير الأداء. أما تحوير النقاش الفني ليكون سكيناً تُسلط على رقاب أرزاق اللاعبين وعقودهم، فهو ليس نقداً، بل هو تصفية حسابات شخصية، وإحباط متعمد للهمم، وظاهرة سوداوية يجب على الوسط الرياضي والإعلامي لجمها والتبرؤ منها لحماية مكتسباتنا الوطنية.
* * *
آخر المطاف
قالوا: الشخص الواقعي يملك شجاعة الشجرة التي تتمايل مع العاصفة تكتيكياً، لكن جذورها راسخة لا تقتلع.