ثامر الشهراني
تدخل المواجهة الأمريكية مع إيران مرحلة جديدة، تتجاوز الضغط السياسي والأمني إلى محاولة إعادة صياغة موقع طهران داخل الاقتصاد العالمي. فإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تتحرك باتجاه توسيع نطاق العقوبات، بحيث لا تقتصر على الكيانات والأفراد الإيرانيين، بل تمتد إلى الأطراف التي توفر لطهران قنوات مالية وتجارية تمكنها من الالتفاف على القيود.
وفي خضم هذه الإستراتيجية تبرز العقوبات الثانوية، باعتبارها إحدى أكثر أدوات الضغط الأمريكي تأثيرًا؛ لأنها تنقل تكلفة التعامل مع إيران إلى الشركات والمؤسسات والدول التي تتيح لها الوصول إلى الأموال أو تساعدها في غسل العائدات وتحويلها عبر قنوات غير مباشرة.
وتحمل تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت رسالة واضحة: لا ينبغي الاستهانة بالعقوبات الثانوية، ومن يختار الاستمرار في التعامل مع إيران أو تسهيل وصولها إلى النظام المالي الدولي قد يواجه عواقب اقتصادية قاسية، تصل إلى فقدان إمكانية التعامل ضمن المنظومة المالية المرتبطة بالدولار.
وتبرز هنا فكرة «النبذ الاقتصادي»، التي تتجاوز مفهوم العقوبة التقليدية إلى محاولة جعل التعامل مع الاقتصاد الإيراني خيارًا عالي التكلفة. فالدولار لا يمثل عملة رئيسة في التجارة العالمية فحسب، وإنما يرتبط بشبكة واسعة من المصارف والأسواق والمؤسسات المالية.
ولهذا فإن التهديد باستبعاد الجهات المخالفة من النظام المالي المرتبط بالدولار يمكن أن يضع المؤسسات أمام معادلة صعبة: الاستمرار في التعامل مع إيران، أو المحافظة على علاقتها بالنظام المالي الأمريكي والأسواق الدولية.
واللافت في الخطاب الأمريكي أن بيسنت استحضر الروح التي رافقت إنزال النورماندي في وصف التحرك الاقتصادي، وهي إشارة تعكس رغبة واشنطن في تقديم الحملة باعتبارها عملية واسعة ومنظمة، تستهدف إحداث أثر يتجاوز العقوبات المحدودة إلى تغيير البيئة التي تتحرك فيها طهران اقتصاديًا.
وتستهدف الإجراءات الأمريكية خمسة شرايين حيوية يمكن أن تستفيد منها إيران في تعاملاتها الخارجية، تشمل الأصول الرقمية والذهب والتقنية والطيران والشحن. وتكمن أهمية هذه القطاعات في ارتباطها بحركة الأموال والبضائع والخدمات، وقدرتها على توفير مسارات تساعد الاقتصاد الإيراني على الاستمرار في التعامل مع الخارج رغم القيود.
وبذلك، فإن استهداف هذه المجالات لا يضغط على الاقتصاد الإيراني بصورة عامة فقط، وإنما يحاول تضييق المسارات التي تسمح لطهران بتحويل إيراداتها إلى موارد مالية قابلة للحركة، أو استخدامها في تمويل تجارتها الخارجية.
لكن السؤال الأهم: هل تستطيع واشنطن فعلًا جعل إيران دولة منبوذة اقتصاديًا؟
الإجابة ترتبط بقدرة الولايات المتحدة على التأثير في الأطراف التي تربطها مصالح مع طهران. فقد طورت إيران خلال سنوات العقوبات شبكات تجارية ومالية متعددة، واستخدمت الوسطاء والشركات الواجهة والقنوات غير المباشرة لتجاوز القيود.
وتكمن أهمية العقوبات الثانوية في أنها لا تعتمد فقط على منع إيران من الوصول إلى الأسواق، وإنما تجعل الطرف الآخر أمام حسابات مختلفة. فالشركة أو المؤسسة الموجودة خارج الولايات المتحدة قد تعيد النظر في تعاملها مع طهران إذا كان استمرار هذه العلاقة يهدد قدرتها على التعامل مع المصارف والأسواق الأمريكية.
وهذه المعادلة تمنح واشنطن قدرة على توسيع نطاق تأثيرها خارج حدودها الجغرافية.
فالولايات المتحدة لا تحتاج دائمًا إلى إيقاف التجارة مع إيران بصورة مباشرة؛ يكفي في بعض الحالات أن تجعل تكلفة استمرارها مرتفعة بما يكفي لدفع الشركات والمؤسسات إلى الانسحاب أو تقليص تعاملاتها.
لكن هذه الإستراتيجية تواجه اختبارًا حقيقيًا يتمثل في الدول التي تملك مصالح اقتصادية وإستراتيجية مع إيران، وفي مقدمتها الصين وروسيا ودول أخرى. فهذه الأطراف قد لا تنظر إلى العقوبات الأمريكية بالطريقة نفسها، وقد تبحث عن وسائل للحفاظ على علاقاتها مع طهران مع تقليل تعرضها للضغط المالي الأمريكي.
لذلك فإن نجاح سياسة «النبذ الاقتصادي» لن يقاس بعدد العقوبات التي تعلنها واشنطن، وإنما بقدرتها على إغلاق مسارات الالتفاف عليها، وجعل البدائل المتاحة أمام إيران وشركائها أكثر تكلفة وأقل فاعلية.
ويتحول الدولار في هذه المعادلة إلى عنصر أساسي من عناصر القوة الجيوسياسية. فالنفوذ الأمريكي لا يرتبط بحجم الاقتصاد فقط، وإنما أيضًا بموقع العملة الأمريكية داخل النظام المالي العالمي، وما يمنحه ذلك من قدرة على التأثير في حركة المدفوعات والتمويل والتجارة.
لكن استخدام هذه القوة يحمل في المقابل تحديًا طويل المدى؛ فكلما توسع الاعتماد على العقوبات المالية، زادت لدى بعض الدول الرغبة في البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على الدولار، سواء عبر العملات المحلية أو ترتيبات مالية جديدة أو شبكات تجارية خارج القنوات التقليدية.
وبالتالي، فإن الضغط على إيران قد يتحول بصورة غير مباشرة إلى عامل يدفع بعض الأطراف إلى تسريع البحث عن نظام مالي أكثر تنوعًا.
كما أن العقوبات، مهما بلغت قوتها، لا تعني بالضرورة انهيار الاقتصاد المستهدف أو تغيير سلوكه السياسي تلقائيًا. فقد أثبتت التجارب أن الدول الواقعة تحت الضغط تستطيع تطوير اقتصاد ظل، واستخدام التجارة غير الرسمية، وتغيير طرق نقل الأموال والبضائع، والبحث عن شركاء جدد.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية أمام واشنطن تتمثل في الحفاظ على فعالية الضغط مع منع ظهور منافذ جديدة تستطيع طهران استخدامها مع مرور الوقت.
وعليه، فإن المواجهة الأمريكية - الإيرانية تدخل مسارًا اقتصاديًا أكثر تعقيدًا، تتحول فيه العقوبات من وسيلة لمعاقبة إيران إلى محاولة لإعادة تشكيل شبكة العلاقات التي تسمح لها بالوصول إلى المال والأسواق والتجارة الدولية.
والدولار في هذه المعادلة ليس مجرد عملة، بل أداة نفوذ جيوسياسي. فإذا نجحت واشنطن في استخدامه لتقليص قدرة طهران على الحركة والتمويل، فإن «النبذ الاقتصادي» قد يتحول إلى واقع ملموس. أما إذا تمكنت إيران وشركاؤها من بناء مسارات بديلة، فإن المواجهة ستتجاوز مستقبل الاقتصاد الإيراني إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام المالي الدولي وحدود القوة الأمريكية فيه.